في آخر ليلة من الشهر، وقف منصور خلف باب غرفة الحراسة، يداه ترتجفان وعيناه معلّقتان على مستودعٍ مقفول تشتعل أنواره من الداخل، رغم أن القفل في مكانه والسور عالٍ لا يتسلّقه بشر. الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، والمنطقة كلها ساكنة، إلا من صوتٍ يجرّ حديداً على الأرض في الظلام… صوتٌ لا ينبغي أن يكون هناك أصلاً.
هذه ليست بداية فيلم رعب، بل بداية قصة حقيقية أرسلها منصور، حارس أمنٍ يمني، عن ثلاثين ليلة قضاها في المستودع المسكون في عمان. ثلاثون ليلة شيّبت شعره وهو شابٌّ لم يتجاوز الثامنة والعشرين، وجعلته يخرج من هناك رجلاً آخر لا يعرف النوم إلا على آية الكرسي وأذكار الصباح والمساء.
نروي لكم اليوم حكاية منصور كما وصلتنا بكل تفاصيلها المرعبة، من أول يوم استلم فيه المفاتيح، إلى الليلة التي انفتح فيها كل شيء. قصةٌ فيها حارسان يمني وعُماني، ومستودعٌ قديم في منطقة صناعية معزولة، وسرٌّ عمره سبعة عشر عاماً كان ينتظر من يكتشفه. تابعوا معنا، فالحكاية أثقل مما تتخيلون.
محتويات المقال
- بداية الحكاية: منصور والمستودع القديم
- أين يقع المستودع المسكون في عمان ولماذا كان معزولاً
- أول الليالي: حين بدأت الظواهر
- الطرق على الباب والظل الذي جلس على السرير
- الليلة التي اشتعل فيها المستودع وهو مقفول
- صفوف الخيالات والأذان الذي أنقذهم
- سرّ المكان: ديار القوم وحكاية سالم بن راشد
- الأماكن المسكونة في الموروث الخليجي والعربي
- بين العلم والنفس: تفسيرات الظاهرة
- المنظور الديني: الجن والأماكن المهجورة في الإسلام
- الحضور الثقافي الحديث لقصص المستودعات المسكونة
- كيف تحمي نفسك في الأماكن المهجورة
- الخاتمة: ماذا تبقّى من حكاية منصور
بداية الحكاية: منصور والمستودع القديم
منصور شابٌّ يمني من محافظة إب، حمل المسؤولية على كتفيه مبكراً بعد وفاة والده وهو صغير. صار المعيل لأمه وإخوته الثلاثة، والشغل في اليمن قليل والمعيشة صعبة، فقرّر أن يبحث عن رزقٍ خارج البلد.
كان له ابن خالٍ اسمه صادق يعمل في سلطنة عُمان، فاتصل به وطلب منه أي فرصة عمل. وبعد فترة جاءه الخبر: شركة كبيرة للمعدات ومواد البناء في مسقط تريد حرّاس أمن. جهّز منصور أوراقه، ودّع أمه وإخوته، وركب الطريق نحو الغربة وهو يحمل أحلاماً بسيطة.
في مسقط استقبله صادق، واشتغل منصور حارساً في المعارض والمواقع الرئيسية للشركة قرابة سنتين، لا ملاحظات ولا تأخير. رجلٌ مؤتمن ومحبوب. لم يكن يدري أن اسمه سيُكتب يوماً على تعميمٍ إداريّ يقوده إلى أخطر مكانٍ في حياته: مستودعٌ قديم منسيّ في أطراف المنطقة الصناعية هو المستودع المسكون في عمان، سيصبح لاحقاً حديث كل من سمع قصته.
ذات صباح، صدر تعميم من الإدارة إلى كل الحرّاس: الشركة قرّرت نقل بضاعتها من المستودع القديم البعيد إلى مستودعٍ جديد أقرب إلى المدينة. المستودع القديم مليان معداتٍ ثقيلة تحتاج شهراً كاملاً لنقلها، ويحتاج حراسةً ليلاً ونهاراً طوال فترة النقل، مع علاوةٍ مغرية فوق الراتب. هنا بدأت طريق منصور نحو المكان الذي عُرف بعد ذلك باسم المستودع المسكون في عمان.
أين يقع المستودع المسكون في عمان ولماذا كان معزولاً
لم يتردد منصور لحظة. علاوةٌ فوق راتبه، وحراسة مستودعٍ فارغٍ إلا من المعدات؟ في نظره كان الأمر هديّة. لكنه حين وصل أول مرة، أدرك أن المستودع المسكون في عمان ليس كأي موقعٍ حرسه من قبل. يقع في أقصى المنطقة الصناعية، بعيداً عن مسقط بمسافةٍ طويلة، وحوله مستودعات ومصانع قديمة، بعضها مهجور تماماً.
سورٌ طويل يلفّ مساحة كبيرة، وبوابة حديدية ضخمة قديمة عليها قفلٌ عالٍ. وداخل السور مبنى إسمنتيّ من زمن بعيد، سقفه عالٍ وأبوابه من حديد صدئ. أما غرفة الحراسة فصغيرة، فيها سرير ودولاب وثلاجة ودورة مياه. أهمّ ما يميّز المستودع المسكون في عمان أنه معزولٌ تماماً؛ لو صرخت بأعلى صوتك، لا أحد يسمعك.
العزلة وحدها كانت كفيلة بأن تجعل الليالي ثقيلة، لكن ما لم يعرفه منصور أن سبب العزلة أعمق من مجرد الجغرافيا. فالأرض التي بُني عليها هذا المستودع لها تاريخٌ قديم، والأهالي كانوا يتحاشونها منذ زمنٍ بعيد. كان المستودع المسكون في عمان قائماً على شيءٍ لا يُقال، وسنعرف سرّه في نهاية الحكاية.

أول الليالي: حين بدأت الظواهر
استلم منصور الشفت الليلي، وشاركه في النهار حارسٌ عُماني كبير في السن اسمه خميس، رجلٌ طيّب هادئ يريحك من أول نظرة. اتفقا أن يحرس خميس نهاراً ومنصور ليلاً، وقسّما بينهما الساعات. كل صباح تأتي الشاحنات والعمال، ينقلون البضاعة إلى المستودع الجديد، ومع المغرب يخلو المكان تماماً.
أول ثلاث ليالٍ في المستودع المسكون في عمان مرّت هادئة تقريباً. كان منصور يطوف حول المبنى كل ساعتين، يتفقّد الأبواب والأقفال، ثم يعود إلى غرفته. سمع أصواتاً خفيفة أول مرة؛ طقطقة حديد، صوت شيء يتمدّد. قال لنفسه: هذا طبيعي، الحديد بالليل يبرد ويتمدّد، كل المستودعات هكذا.
لكن الليلة الرابعة كانت مختلفة. بعد منتصف الليل، وبينما كان يمشي جنب الجدار الغربيّ للمبنى، سمع صوتاً واضحاً لا يشبه طقطقة الحديد. صوتٌ ثقيلٌ يُسحب على الأرض، كأن أحداً يجرّ قطعة معدنٍ ثقيلة داخل المستودع. توقّف، ألصق أذنه على الجدار البارد، فسكت الصوت فجأة كأن شيئاً بالداخل يعرف أنه يسمعه.
ذهب إلى الباب الرئيسي، فتح القفل، ودخل. أضاء اللمبات، فبدأت تشتعل واحدةً تلو الأخرى بتثاقل. طاف بين الممرات الطويلة والأرفف العالية بحثاً عن مصدر الصوت. كل شيء في مكانه، الأبواب مقفلة، لا أحد. لكن الإحساس الذي بدأ يتسلّل إلى صدره في تلك الليلة لم يفارقه بعدها: إحساسٌ أن المستودع المسكون في عمان لم يعد فارغاً، وأن هناك من يراقبه من بين الأرفف.

الطرق على الباب والظل الذي جلس على السرير
مرّت الأيام، وصار منصور يألف المكان رغم غرابته، حتى جاءت الليلة التي غيّرت كل شيء. كان جالساً على الكرسي داخل غرفة الحراسة، الساعة قرابة الواحدة والنصف، حين سمع ثلاث دقّاتٍ واضحاتٍ على الباب: دق، دق، دق.
البوابة الرئيسية مقفلة بالجنزير، والسور عالٍ، ومحدٌ يقدر يدخل الساحة أصلاً. وقبل أن يقوم من الكرسي، سمع صوتاً يناديه: «منصور… يا منصور… افتح يا وليدي». كان صوت خميس، نفس نبرته، نفس طريقته. فتح الباب مسرعاً، فوجد خميس واقفاً أمامه، بنفس ثيابه، لكن ملامحه غير طبيعية؛ وجهه جامد، وعيونه مفتوحة زيادة لا ترمش.
قال له خميس بصوتٍ هادئ وثابت: «جيب أغراضك واطلع لي برا بسرعة، لا تناقش». شيء في المشهد كان خطأً؛ الصوت صوت خميس، لكن النبرة ميتة بلا روح. تراجع منصور خطوة، ودخل ليأخذ أغراضه، فرنّ جواله. كان خميس الحقيقي يتصل من بيته في مسقط، نائماً في فراشه، لا يعرف شيئاً عمّا يحدث في المستودع المسكون في عمان.
حين عاد منصور إلى الباب، لم يجد أحداً. الساحة فارغة. اختفى «خميس» الذي كان واقفاً قبل لحظات. دخل غرفته يرتجف، وأشعل النور، فوجد شيئاً أسود يجلس على طرف سريره، رأسه منزلٌ نحو الأرض، ثم بدأ يلتفت نحوه ببطءٍ غير طبيعي، يلوي رأسه أكثر مما يقدر عليه أي إنسان. تلك اللحظة كانت أول مواجهةٍ مباشرة مع ساكن المستودع المسكون في عمان.

الليلة التي اشتعل فيها المستودع وهو مقفول
لم ينم منصور تلك الليلة، وحين حكى لخميس في الصباح، ظنّ الرجل أن السهر يلعب برأس الشاب. لكن خميس، حبّاً في زميله وخوفاً عليه، قرّر أن يقضي معه أول ساعات الليلة التالية ليطمئن بنفسه على ما يجري في المستودع المسكون في عمان.
جلسا يشربان الشاي ويتسامران، والليلة تمرّ هادئة، حتى قرب موعد رحيل خميس. قام ليأخذ مفاتيح سيارته، وودّعه منصور عند البوابة، وأول ما خطا خميس خطواتٍ خارج الباب، توقّف مسمّراً في مكانه لا يتحرك.
تبعه منصور بنظره، فرأى ما جمّد خميس: المستودع المقفول، الذي مفاتيحه معلّقة في يد خميس نفسه، تشتعل أنواره كلها من الداخل. الضوء يخرج من الشبابيك العالية تحت السقف، منوّرٌ من الداخل كله، والساحة حوله غارقة في الظلام. مستودعٌ مقفول بالجنزير، الساعة الواحدة ليلاً، وبداخله شغلٌ قائم.
اقتربا يسمعان: صوت رافعة شوكية تشتغل، أزيز مكينة، صوت تحذيرها «بيب، بيب»، أصوات شيلٍ وحطٍّ وبضاعةٍ تُنقل، وطبالين تُسحب. عمالٌ كاملون يشتغلون داخل المستودع المسكون في عمان، خلف بابٍ عليه قفلٌ لم يُفتح. أراد خميس أن يتصل بالشرطة، لكنه تمالك نفسه وقرّر أن يفتح الباب ويرى بعينه ما لا يُصدَّق.

صفوف الخيالات والأذان الذي أنقذهم
أخذ خميس عصاً حديدية وأمسك المفاتيح، ودخلا معاً. لحظة أن فُتح القفل، سكت كل شيء دفعةً واحدة. لا رافعة، لا أصوات، لا شغل. والأنوار التي كانت مشتعلة انطفأت كلها مرة واحدة. صار المستودع المسكون في عمان أمامهما ظلمةً وسكوتاً، وبابه مفتوحٌ مثل حلقٍ أسود.
دخلا بالكشّاف، يقصّان الظلام بين الممرات. المستودع بعد ثلاثة أسابيع من النقل كان شبه فارغ، لم يبقَ إلا زاوية بضاعةٍ أخيرة عند الجدار الغربي. حين وصلا إلى الرافعة الشوكية، وجداها باردة كالثلج رغم أنها لم تعمل منذ أيام، فتأكّدا أن ما يجري في المستودع المسكون في عمان ليس من عالم البشر.
ثم سمعا الباب الحديدي الثقيل يُسحب خلفهما ويُقفل وحده. ركضا نحوه، دفعاه بكل قوّتهما، فلم يتحرك، وكأنه صار جداراً. انطفأ الكشّاف. وبدأت الظلمة تمتلئ بأصوات ناسٍ كثيرين يتهامسون بكلامٍ غير مفهوم، ثم بدأت تظهر صفوفٌ من الخيالات السوداء الطويلة، واقفة بلا وجوهٍ ولا عيون، تصطف بينهما وبين آخر المستودع، وضحكٌ واطئٍ يعلو من كل الجهات.
هنا تذكّر خميس ما يملك: إيمانه. وقف وسط الظلام، وضع يديه على أذنيه، ورفع الأذان بأعلى صوته. «الله أكبر، الله أكبر»، وصوته يرجّ المستودع ويرجع له صدى. ومع كل تكبيرة، كانت الخيالات تتراجع والضحك يخفت، حتى خرجت صرخةٌ واحدةٌ عاليةٌ مليئةٌ بالقهر من الجدران نفسها، ثم سكن كل شيء. الأذان هو الذي فتح باب المستودع المسكون في عمان وأخرجهما بأعجوبة.

سرّ المكان: ديار القوم وحكاية سالم بن راشد
خرجا في فجر ذلك اليوم، ومنصور رأسه فيه خصلةٌ بيضاء كاملة لم تكن قبل الليلة. شابٌّ في الثامنة والعشرين، دخل المستودع المسكون في عمان بشعرٍ أسود وخرج بشيبة رجلٍ في الستين. قدّما استقالتهما، لكن قبل أن يغادرا سألا عن سرٍّ واحد: من هو الحارس الأول لهذا المكان؟
قادهم البحث إلى رجلٍ اسمه سالم بن راشد، حارسٌ عُماني قديم حرس الموقع سبعة عشر عاماً كاملة قبل أن يتقاعد، وهو الوحيد الذي بقي فيه هذه المدّة دون أن يمسّه سوء. ذهبا إلى بيته في ولاية سمائل، فوجداه شيخاً كبيراً في السبعين، هادئ العينين، استقبلهما بالقهوة والتمر.
حين حكيا له، هزّ رأسه وقال: «أنا من أهل هذه المنطقة، من قبل أن تصير صناعية أصلاً». المكان الذي بُني عليه المستودع كان أرض خلاءٍ فيها شجر سمرٍ قديم، وأهل المنطقة الأوّلون كانوا يوصون أبناءهم ألا يقتربوا من هذا الخلاء ليلاً، ولا يبيتون فيه، ولا يربطون فيه غنماً. كان المكان معروفاً بأنه مسكونٌ من قديم، والأوّلون يسمّونه «ديار القوم».
وسرّ نجاته أنه فهم القاعدة من أول يوم: «أنا حارس البضاعة، لست ساكن الدار». سبعة عشر عاماً لم يدخل المستودع ليلاً مهما سمع، بل يحرس من خارج السور، يذكر الله ويقرأ آية الكرسي وسورة البقرة، ويصبّر نفسه. أما منصور فدخل الدار وأخذ يفتّش عن مصدر الصوت، فكسر القاعدة، ودفع الثمن من شعره وأعصابه. لهذا صار المستودع المسكون في عمان أرحم بسالم منه بمنصور. لمزيدٍ من قصص الأماكن الغريبة، تصفّح موقع الراوي باتل.

الأماكن المسكونة في الموروث الخليجي والعربي
حكاية منصور ليست فريدة في موروثنا. فكرة «الأماكن المسكونة» موجودة في كل ثقافات الجزيرة العربية والعالم العربي، وتأخذ أشكالاً متعددة تختلف من منطقةٍ إلى أخرى. ما جعل المستودع المسكون في عمان مرعباً بهذا القدر هو أنه يجمع عناصر هذا الموروث كلها في مكانٍ واحد.
في نجدٍ وشرق الجزيرة، يُحذّر الكبار من «ديار الجن» في الفيافي والخِرب القديمة. وفي عُمان واليمن، تنتشر حكايات الوديان والأشجار المعمّرة التي «لها عامر». وفي بلاد الشام والعراق، تشيع قصص البيوت المهجورة التي يسكنها «العامر» أو «أهل الأرض». والقاسم المشترك بينها جميعاً هو التحذير من الخلاء والمهجور بعد المغرب، وهو جوهر ما تكرّر في المستودع المسكون في عمان.
لماذا الأماكن المهجورة تحديداً؟
في الموروث الشعبي، يُقال إن المخلوقات الخفية تميل إلى الأماكن الخالية من الناس والذكر: الخِرب، المقابر القديمة، الوديان، والمباني المهجورة. وهذا بالضبط توصيف المكان الذي قام عليه المستودع المسكون في عمان؛ أرض خلاءٍ قديمة، بعيدة، قليلة الذكر، ثم بُنيت فوقها منشأة صناعية دون أن يتغيّر ما تحتها في وجدان الأهالي.
روايات متواترة عن أماكن مشابهة
تتكرّر في مجالس كبار السن روايات عن حرّاس ومزارعين رأوا أنواراً تشتعل في مبانٍ مغلقة، أو سمعوا أصوات عملٍ وحركةٍ في مصانع متوقّفة، أو شاهدوا أشخاصاً يعرفونهم يظهرون في غير أماكنهم ثم يختفون. هذه الأنماط نفسها تظهر في حكايات كثيرة عبر الخليج، مع اختلاف التفاصيل والأسماء.
ما يلفت الانتباه أن هذه الروايات تتفق في عناصر متشابهة: مكانٌ معزول، أرضٌ لها تاريخٌ قديم، حارسٌ وحيد، وصوتٌ يُنادي باسم صاحبه. وهذا التشابه بين قصصٍ من بيئاتٍ متباعدة هو ما يجعل الباحث في الموروث يتوقّف طويلاً أمامها، سواء فسّرها بالغيب أو بعلم النفس الجمعي الذي يشكّل مخيّلة أهل المكان الواحد.
بين العلم والنفس: تفسيرات الظاهرة
من باب الإنصاف، لا بد أن نعرض الجانب الآخر. يقدّم علم النفس وعلم الأعصاب تفسيراتٍ لكثيرٍ ممّا يرويه حرّاسٌ مثل منصور، دون أن ينفي ذلك تجربتهم أو يقلّل من صدقها. فما جرى في المستودع المسكون في عمان يمكن قراءته من أكثر من زاوية.
أول التفسيرات هو «الحرمان من النوم» و«العزلة». الإنسان الذي يسهر وحده لأسابيع في مكانٍ معزول تماماً، يدخل في حالةٍ تُعرف بالهلوسات المرتبطة بالنوم (Hypnagogia)، حيث يرى ويسمع أشياء ليست موجودة، خصوصاً عند الانتقال بين اليقظة والنوم. صوت الحديد المتمدّد، الظلام، والتوقّع المسبق للخوف، كلها تهيّئ العقل لتفسير أي حركةٍ عابرة على أنها تهديد، وهذا وحده كفيلٌ بتفسير جزءٍ ممّا عاشه منصور في المستودع المسكون في عمان.
هناك أيضاً ما يسمّى «شلل النوم»، حيث يستيقظ العقل بينما الجسد ما زال مشلولاً، فيرى النائم ظلالاً وأشكالاً جاثمة على صدره، ويسمع أصواتاً وهمساً. كثيرٌ من روايات «الظل الأسود الجالس على السرير» تتطابق مع هذا الوصف الطبي.
ويضاف إلى ذلك ظاهرة «التوهّم النمطي» أو (Pareidolia)، وهي ميل الدماغ إلى رؤية وجوهٍ وأشكالٍ مألوفة في الظلام والتفاصيل العشوائية، فيتحوّل ظلّ رفٍّ أو انعكاس ضوءٍ خافت إلى هيئة إنسانٍ في نظر المرهَق الخائف. ومع التوتّر الشديد يرتفع هرمون الأدرينالين، فتزداد حدّة السمع والبصر، ويصير العقل أكثر استعداداً لتأويل كل صوتٍ عابرٍ على أنه خطر. كما أن الترددات الصوتية المنخفضة جداً (Infrasound) الصادرة عن المكائن الصناعية قد تسبّب قشعريرة وشعوراً بالرهبة دون أن يعي الإنسان مصدرها. هذه القراءات لا تُلغي رواية منصور، لكنها تضيء زوايا أخرى للمشهد.
المنظور الديني: الجن والأماكن المهجورة في الإسلام
في المقابل، يقدّم المنظور الإسلامي إطاراً يؤمن به كثيرٌ من قرّاء هذه القصص. فوجود الجنّ ثابتٌ في القرآن والسنة، وهم خلقٌ من نار لهم عالمهم الخاص، وقد يسكنون بعض الأماكن الخالية. وما رواه منصور عن المستودع المسكون في عمان ينسجم مع هذا التصور لدى أصحابه.
ورد في السنة النهي عن دخول الخِرب والأماكن الموحشة وحيداً بلا حاجة، والتماس العافية. ووردت أذكارٌ للتحصين عند دخول المنازل والوديان، أشهرها «أعوذ بكلمات الله التامّات من شرّ ما خلق». وهذا تحديداً ما نجا به الحارس القديم سالم بن راشد سبعة عشر عاماً: التزامٌ بالذكر، وقراءةٌ لآية الكرسي وسورة البقرة، وحدودٌ لم يتجاوزها طوال سنوات حراسته في المستودع المسكون في عمان.
ومن أدب هذا الباب ألا يُتَّهم الناس بالكذب لمجرّد أنهم رووا ما لم نره، وألا يُبنى على مثل هذه الحكايات حكمٌ شرعيّ أو خوفٌ مرضيّ يعطّل حياة الإنسان. فالعلماء ينبّهون إلى أن كثيراً ممّا يُنسب للجن قد يكون وهماً أو مرضاً أو حيلةً بشرية، وأن الأصل في المسلم التوكّل على الله والأخذ بالأسباب، لا الانشغال الدائم بعالم الغيب. هذا التوازن هو ما يحفظ للقصة قيمتها العبرية دون أن يجرّ القارئ إلى وسواسٍ أو رعبٍ لا طائل منه.
ويبقى الموقف المتوازن أن نأخذ بالأسباب الحسّية والشرعية معاً، دون إفراطٍ في الخوف ولا استهانةٍ بالمكان. فالذي أخرج منصور وخميس من المستودع المسكون في عمان لم يكن سلاحاً ولا هرباً، بل كلمةٌ رفعها خميس بصوته: الأذان. وهذا ما يجعل البُعد الديني حاضراً بقوة في وعي من يروي هذه الحكايات ومن يسمعها.
الحضور الثقافي الحديث لقصص المستودعات المسكونة
لم تعد قصص مثل قصة المستودع المسكون في عمان حبيسة مجالس الكبار كما كانت قديماً. اليوم صارت جزءاً من ثقافةٍ رقمية واسعة؛ قنواتٌ على يوتيوب، ومقاطع على تيك توك، وبودكاستات رعبٍ متخصصة، تروي تجارب الحرّاس وسكان البيوت المهجورة لملايين المستمعين.
هذا الحضور له وجهان. الوجه الإيجابي أنه يحفظ موروثاً شعبياً كان مهدّداً بالنسيان، ويجمع الناس حول حكايةٍ مشتركة تُذكّرهم بجذورهم. والوجه الآخر أن بعض المحتوى يبالغ ويختلق لأجل المشاهدات، فيختلط الصدق بالتهويل، ويصعب على المستمع تمييز التجربة الحقيقية من الحكاية المصنوعة. ولعلّ قصة المستودع المسكون في عمان مثالٌ على هذا الحضور بوجهيه معاً.
وهنا تكمن أمانة الراوي: أن ينقل القصة كما وصلته، ويميّز بوضوح بين ما هو موثّقٌ تاريخياً، وما هو موروثٌ شعبيّ، وما هو روايةٌ شخصية لا يملك إثباتها إلا صاحبها. قصة منصور نرويها بصفتها شهادةً شخصية أرسلها بنفسه، ونتركك أنت لتزنها بعقلك وقلبك.
كيف تحمي نفسك في الأماكن المهجورة
سواءٌ صدّقت الجانب الغيبيّ أو رجّحت التفسير النفسيّ، تبقى هناك آدابٌ عملية تحميك إن اضطُرّتك ظروف عملك للبقاء في مكانٍ معزولٍ مثل المستودع المسكون في عمان. أغلبها بسيطٌ ومجرّب، ويجمع بين الحسّ السليم والتحصين الشرعي.
أولاً، لا تدخل الأماكن المهجورة ليلاً بلا حاجة، والتزم حدودك كما فعل سالم بن راشد؛ احرس من الخارج ولا تسكن الدار. ثانياً، حافظ على أذكار الصباح والمساء، وآية الكرسي، والمعوّذات، فهي حصنٌ يومي. ثالثاً، لا تستجب للأصوات التي تناديك باسمك في الظلام، ولا تتبع من «يطلب منك أن تخرج بسرعة»؛ فالطبيعيّ لا يأتيك من خلف بابٍ مقفول كما حدث في المستودع المسكون في عمان.
رابعاً، حافظ على نومٍ كافٍ قدر الإمكان، فالحرمان من النوم يفتح باب الهلوسة على مصراعيه. خامساً، أبقِ وسيلة اتصالٍ وضوءاً احتياطياً معك دائماً. وأخيراً، إن غلبك الخوف فاذكر الله وارفع صوتك بالتكبير، فما جرى في المستودع المسكون في عمان يقول إن الثبات والذكر أقوى من الظلمة، مهما اشتدّت.
علاماتٌ تحذيرية يُستحسن الانتباه لها
يجمع الرواة على علاماتٍ يتكرّر ذكرها قبل أن تشتدّ مثل هذه التجارب، يحسن بمن يعمل في مكانٍ معزول أن ينتبه إليها. منها: سماع اسمك يُنادى بوضوحٍ في وقتٍ لا أحد فيه، وتكرار الأصوات نفسها من الجهة ذاتها كل ليلة، وانخفاض حرارة مكانٍ بعينه دون سبب، وشعورٌ ثقيلٌ في الصدر كلّما اقتربت من زاويةٍ معيّنة.
هذه ليست قواعد علمية قاطعة، لكنها خلاصة تجارب متكرّرة في الموروث. والحكمة أن يأخذها الحارس على محمل الحذر لا الهلع؛ فيلتزم مكانه الآمن، ويكثر من الذكر، ويتجنّب الاستجابة لأي نداءٍ أو حركةٍ تدعوه لتجاوز حدوده. فالفضول في مثل هذه الأماكن، كما تقول الحكاية، هو أول الطريق إلى المتاعب.
الخاتمة: ماذا تبقّى من حكاية منصور
عاد منصور إلى عمله في المعارض القريبة من مسقط، ورجعت إليه حياته، لكن شيئاً واحداً لم يعد كما كان: خصلةٌ بيضاء في شعره لا تفارقه، يغطّيها بالشماغ كل يوم، وكلما رآها في المرآة تذكّر تلك الليلة. لم تُبقِ له تجربة المستودع المسكون في عمان جرحاً في الجسد، بل علامةً في الروح لا تُمحى.
ربما يكون كل ما جرى في المستودع المسكون في عمان محض هلوسةٍ من العزلة والسهر، وربما يكون أبعد من ذلك بكثير. لكن العبرة التي أرادها منصور واضحة: لا تُستهان بوصايا الأوّلين عن الأماكن، ولا يُدخَل على المجهول بفضول. احترامٌ للمكان، والتزامٌ بالذكر، وحدودٌ لا تُتجاوز؛ هذا ما نجا به رجلٌ، وهذا ما شيّب آخر.
تبقى الحكاية في النهاية سؤالاً معلّقاً بين العلم والغيب، بين ما نراه وما لا نراه. وتبقى «ديار القوم» شاهدةً على أن بعض الأرض تحمل ذاكرةً أقدم من الإسمنت الذي يُصبّ فوقها. وربما لهذا وحده يستحق المستودع المسكون في عمان أن يُروى، لا ليخيفنا، بل ليذكّرنا أننا لا نعرف من هذا العالم إلا القليل.
هل مررت بتجربة مشابهة؟
إذا كانت لديك قصة حقيقية مع مكانٍ مسكونٍ أو أي ظاهرة غامضة، أرسلها للراوي باتل وقد تكون القصة التالية التي نرويها لجمهور يتجاوز ١٧٧ ألف متابع.
قيّم هذه القصة
رأيك يهمّنا — كم نجمة تستحق؟
