التاريخ والخوارق

الزار طقوس تحضير الجن التي عبرت القارات وسكنت وجدان الشرق

البخور يتصاعد كأنه ستار كثيف يخفي ملامح الوجوه. الدفوف تدق بإيقاع بطيء، ثم يتسارع فجأة كأنه يستدعي شيئًا من عالم آخر. امرأة تجلس في منتصف الحلقة، جسدها يرتجف، عيناها شاردتان، وصوتها يخرج بلهجة ليست لهجتها.

من حولها نساء ورجال يرددون كلمات لا يفهمها الغرباء، بينما تقود “الشيخة” الطقس بثقة من مارست هذا العمل عمرًا كاملًا. الغرفة مغلقة، لكن الجميع يشعر أن هناك من دخل معهم لم يُدعَ.

هذا هو المشهد الذي تكرر آلاف المرات في بيوت مصر والسودان والخليج، وما زال يتكرر حتى اليوم في الخفاء. اسمه الزار، طقس غامض يجمع بين الموسيقى والرقص وتحضير الجن، وقد أثار جدلًا واسعًا بين من يراه علاجًا روحيًا حقيقيًا ومن يعتبره خرافة شعبية خطيرة.

في هذا المقال نأخذك في رحلة إلى جذور هذه الظاهرة الغامضة: من أين جاءت؟ كيف انتشرت؟ وما موقف العلم والدين منها؟ وهل ما زال لها حضور في حياتنا اليوم؟

ما هو الزار؟

الزار هو طقس احتفالي شعبي يهدف إلى “إرضاء” أو طرد كائن روحي يُعتقد أنه سكن جسد إنسان، غالبًا ما يكون امرأة. لا يُنظر إليه كعلاج طبي بقدر ما هو تفاوض مع عالم غير مرئي.

يقود الجلسة شخص يُعرف بـ”الشيخة” أو “الكودية”، وهي امرأة تحمل خبرة وراثية أو مكتسبة في التعامل مع هذه الطقوس. تُستخدم الدفوف والطبول والبخور كأدوات أساسية لاستدعاء الحالة الروحانية.

يتخلل الجلسة رقص متواصل قد يستمر لساعات، حتى تدخل الشخصية المصابة في حالة أشبه بالغيبوبة الجسدية، يعتقد الحاضرون أنها اللحظة التي “يتكلم” فيها الكيان الساكن فيها.

طقوس الزار التقليدية وحلقة تحضير الجن
حلقة من طقوس الزار وسط البخور والدفوف

هذا الطقس ليس حالة فردية معزولة، بل عادة مجتمعية متوارثة، ينتقل شكلها وطقوسها من جيل إلى جيل. تفاصيل الجلسة قد تختلف من بيت إلى آخر، لكن الجوهر واحد: التواصل مع الكيان الغامض عبر الإيقاع والحركة.

يمكنك الاطلاع على المزيد من القصص والظواهر الغامضة عبر موقع الراوي باتل، الذي يوثق تجارب حقيقية من مختلف الدول العربية.

الجذور التاريخية لطقوس الزار

تشير المصادر التاريخية إلى أن أصل الزار يعود إلى منطقة الحبشة الشمالية، أي إثيوبيا الحالية، حيث كانت هذه الطقوس جزءًا من الممارسات الروحية المحلية القديمة قبل أن تنتقل خارج حدودها.

في منتصف القرن التاسع عشر، عبرت طقوس الزار الحدود عبر السودان، حاملة معها الإيقاعات والمفردات واللغة الطقسية الخاصة بها. السودان لعب دور المحطة الوسيطة التي أعادت تشكيل هذه الطقوس بما يتناسب مع البيئة العربية الأفريقية.

من السودان، وصلت هذه الطقوس إلى مصر، وتحديدًا إلى المدن الكبرى مثل القاهرة والإسكندرية، حيث وجد بيئة خصبة بين طبقات المجتمع المختلفة، خصوصًا في الأحياء الشعبية والبيوت التي كانت تخدم فيها نساء سودانيات وحبشيات.

الجذور التاريخية لانتشار الزار من الحبشة إلى مصر
مسار انتقال طقوس الزار من الحبشة عبر السودان إلى مصر

مع مرور الوقت، تحول هذا الطقس من ممارسة محدودة إلى ظاهرة اجتماعية متجذرة، خصوصًا لدى النساء اللواتي وجدن فيه مساحة للتعبير والتفريغ النفسي في مجتمعات كانت تُقيّد أصواتهن في مجالات أخرى.

وثّقت مصادر تاريخية وأنثروبولوجية عديدة انتشار هذه الطقوس، ومنها ما ورد في موسوعة ويكيبيديا عن الزار، والتي تشير إلى أن هذه الظاهرة لم تبقَ حبيسة الحبشة أو السودان، بل امتدت لتشمل أجزاء واسعة من الشرق الأوسط.

التغيرات الإقليمية للزار في الوطن العربي

رغم أن جذور الزار واحدة، إلا أن ملامحه تختلف باختلاف البلد الذي استقر فيه. في مصر، ارتبط هذا الطقس بموسيقى شعبية خاصة وأدوات مثل الطنبورة، وأصبح لاحقًا موضوعًا فنيًا يُعرض في المهرجانات الثقافية.

في السودان، يُعتبر هذا الطقس أكثر رسوخًا كممارسة اجتماعية، وله تصنيفات داخلية مثل “زار الطمبورة” و”زار البورى”، لكل منهما طقوسه وإيقاعاته الخاصة، وأحيانًا الأرواح التي يُعتقد أنها مرتبطة به.

أما في الخليج العربي، فقد اتخذت هذه الممارسة طابعًا أكثر تكتمًا وسرية، حيث يُمارس غالبًا في جلسات مغلقة داخل المنازل، بعيدًا عن العلن، نظرًا للحساسية الدينية والاجتماعية المرتبطة به في تلك المجتمعات.

هذا التنوع الإقليمي يجعل من هذه الأسطورة حالة فريدة، إذ لا يوجد شكل واحد ثابت لها، بل هي مزيج متجدد من الموروث المحلي والأصل الأفريقي القديم الذي انطلقت منه.

حكايات وتجارب حقيقية مع الزار

تروي كثير من العائلات في مصر والسودان حكايات متوارثة عن نساء “أصابهن” كيان غامض بشكل مفاجئ، فبدأن يتصرفن بطريقة غريبة، يتحدثن بصوت مختلف، أو يرفضن أطعمة معينة كن يحببنها.

إحدى الروايات الشائعة تتحدث عن سيدة أصرت أسرتها على أن حالتها بدأت بعد زيارة لمكان مهجور، وأن الأعراض لم تخف إلا بعد إقامة جلسة زار استمرت لثلاثة أيام متتالية بمساعدة شيخة معروفة في القرية.

حكايات أخرى تتحدث عن “أرواح” لها أسماء وهويات محددة تتكرر عبر أجيال العائلة نفسها، وكأن الكيان لا يرتبط بشخص واحد بل بخط عائلي كامل، ينتقل ظهوره من الجدة إلى الأم ثم الابنة.

رقصة طقس الزار وطرد الأرواح في الليل
جلسة ليلية من رقصة الزار لطرد الأرواح

يصعب التحقق من صحة هذه الروايات علميًا، فهي تنتمي إلى فئة الشهادات الشفهية والفلكلور الشعبي، لكنها تظل جزءًا أصيلًا من الذاكرة الجمعية لمن عايشوا هذه الظاهرة أو سمعوا عنها من أقاربهم المباشرين.

علامات المس وأسباب اللجوء إلى الزار

وفق المعتقد الشعبي، هناك مجموعة من العلامات التي تدفع العائلات للاعتقاد بأن أحد أفرادها بحاجة إلى جلسة زار، أبرزها التغير المفاجئ في الشخصية، والانطواء غير المبرر، أو نوبات من الصراخ والبكاء دون سبب واضح.

من العلامات المتداولة أيضًا رؤية أحلام متكررة بعينها، الشعور بثقل جسدي عند الاستيقاظ، أو رفض المكان أو الطعام الذي كان الشخص يحبه سابقًا دون تفسير منطقي.

بعض العائلات تربط أيضًا بين حالات الفشل المتكرر في الزواج أو العمل وبين وجود “مسكن” يحتاج إلى استرضاء عبر هذا الطقس، وهو تفسير شائع في الثقافة الشعبية أكثر منه حقيقة مثبتة.

من المهم التنبيه إلى أن هذه العلامات قد تتشابه مع أعراض نفسية أو عضوية حقيقية، لذلك ينصح دومًا بمراجعة مختص قبل الاستسلام لتفسير واحد دون غيره.

التفسير العلمي والنفسي لظاهرة الزار

ينظر علم النفس والأنثروبولوجيا إلى هذه الظاهرة من زاوية مختلفة تمامًا عن التفسير الشعبي. فكثير من الباحثين يرون أن هذه الطقوس هي آلية تنفيس اجتماعي، خصوصًا في المجتمعات التي تُقيّد التعبير الفردي عن الألم النفسي.

حالة “التلبس” التي تظهر أثناء الجلسة تُفسَّر علميًا على أنها نوع من الانفصام الوظيفي المؤقت، أو ما يعرف بـ”حالة تفارقية”، حيث يدخل الشخص في وعي بديل يسمح له بالتعبير عن مشاعر مكبوتة دون خوف من الرفض الاجتماعي.

الإيقاع المتكرر للدفوف، والحركة الجسدية المستمرة، والبخور، جميعها عوامل قد تؤدي فسيولوجيًا إلى حالة أقرب للنشوة أو الغيبوبة الخفيفة، وهو ما يفسر جزئيًا الحالة التي يمر بها من يخضع للطقس.

كما تشير دراسات أنثروبولوجية إلى أن هذه الظاهرة انتشرت أكثر بين النساء تحديدًا لأنها منحتهن فرصة نادرة للتعبير عن غضبهن أو رغباتهن ضمن إطار مقبول اجتماعيًا لا يُحاسَبن عليه بشكل مباشر.

الموقف الديني من الزار

من الناحية الإسلامية، ينظر أغلب العلماء إلى هذه الطقوس بحذر شديد، بل يصنفها كثير منهم ضمن الممارسات المحرمة، لما تتضمنه من عناصر تقترب من الشعوذة والاستعانة بغير الله في كشف الضر.

يرى بعض الفقهاء أن الإيمان بوجود الجن أمر ثابت شرعًا، إلا أن طريقة التعامل معه عبر الرقص والموسيقى وتقديم القرابين تخالف المنهج الشرعي الصحيح في العلاج، والذي يقتصر على الرقية الشرعية بالقرآن والأذكار الثابتة.

في المقابل، يرى بعض الباحثين في الأديان المقارنة أن هذه الطقوس قديمة جدًا وسابقة على الأديان السماوية في بعض جذورها الأفريقية، وأن ما حدث لاحقًا هو نوع من “الأسلمة الشكلية” لممارسة كانت قائمة أصلًا.

بشكل عام، يبقى الموقف الديني واضحًا في التحذير من الانجراف خلف هذه الممارسات كبديل عن العلاج الشرعي المعتمد، مع الإقرار بأن عالم الجن حقيقة لا يمكن إنكارها في الإطار الإسلامي.

حضور الزار في الثقافة الحديثة

لم تعد هذه الظاهرة حبيسة الغرف المغلقة، بل انتقلت إلى المسرح والسينما، حيث قُدمت عروض فنية مستوحاة من إيقاعات الزار وحركاته في مهرجانات ثقافية مصرية وأوروبية على حد سواء.

فرق موسيقية متخصصة أعادت توظيف إيقاعات هذه الطقوس ضمن عروض فنية معاصرة، محولة إياها من ممارسة “خفية” إلى تراث ثقافي يُعرض بفخر في بعض المحافل الدولية.

كما نال هذا الطقس الغامض حضورًا لافتًا في منصات التواصل الاجتماعي، حيث تنتشر مقاطع فيديو ونقاشات حول تجارب حقيقية أو مروية، ما أعاد إثارة الجدل حول حقيقتها بين جيل جديد من المتابعين.

هذا التحول من الطقس السري إلى المادة الثقافية المعروضة يعكس رغبة المجتمعات في إعادة فهم موروثها، حتى لو كان هذا الموروث مثيرًا للجدل والانقسام بين مؤيد ورافض.

طرق الحماية من المس والجن

بعيدًا عن هذه الطقوس نفسها، توجد وسائل حماية متعارف عليها في الثقافة الإسلامية للوقاية من مس الجن، أبرزها المداومة على أذكار الصباح والمساء، وقراءة آية الكرسي قبل النوم.

كما يُنصح بالمحافظة على الطهارة، وتجنب الأماكن المهجورة أو الموحشة وقت الغروب، والابتعاد عن الانفعالات الشديدة كالغضب الحاد الذي يُعتقد أنه يفتح بابًا للتأثر الروحي وفق المعتقد الشعبي.

الرقية الشرعية تبقى الوسيلة المعتمدة دينيًا لأي حالة يُشتبه فيها بوجود تأثير غير طبيعي، وتُقرأ من قبل الشخص نفسه أو من قِبل شخص موثوق ملتزم بالضوابط الشرعية دون أي إضافات أو طقوس دخيلة.

الوعي والاستقرار النفسي أيضًا يشكلان خط دفاع مهمًا، فالكثير من الحالات التي تُنسب إلى المس تكون في جوهرها اضطرابات نفسية تحتاج إلى متابعة متخصصة لا إلى طقوس استعراضية.

خاتمة

يبقى هذا الطقس الغامض واحدًا من أكثر الظواهر تعقيدًا في موروثنا الشعبي، فهو يقف على الحد الفاصل بين الإيمان بعالم غيبي حقيقي، والحاجة الإنسانية للتفريغ النفسي عبر طقوس جماعية قديمة.

سواء كان هذا الكيان الغامض حقيقة روحية أو مجرد آلية نفسية اجتماعية، فإن استمرار حضوره عبر قرون يعكس شيئًا أعمق: حاجة الإنسان الدائمة لتفسير ما يعجز عن فهمه بطرق عقلانية بحتة.

وتبقى القصة مفتوحة لكل من عايش تجربة مشابهة، أو سمع رواية أثارت فضوله حول هذا العالم الغامض الذي لا يزال جزءًا من حياة كثير من الناس حتى اليوم.

هل مررت بتجربة مشابهة؟

إذا كانت لديك قصة حقيقية مع الزار أو أي ظاهرة غامضة، أرسلها للراوي باتل وقد تكون القصة التالية التي نرويها لجمهور يتجاوز ١٧٧ ألف متابع.

قيّم هذه القصة

رأيك يهمّنا — كم نجمة تستحق؟

متوسط التقييم 3 من 1 صوت

الراوي باتل

👻خبير عوالم الرعب والغموض |📚 راوي قصص الجن والرعب انغمس في قصصنا المرعبة التي لن تدعك تنام 🕯️ اكتشف الأسرار التي تختبئ في الظلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

يا هلا بك في عالم 'الراوي باتل'. استمرارنا في إنتاج قصص الغموض والشيلات الحصرية يعتمد بشكل كبير على دعمك. الإعلانات الموجودة في الموقع مدروسة بحيث ما تخرب عليك جو القراءة والاستماع، لكنها تمثل عصب الإنتاج لنا. كرماً، عطل مانع الإعلانات (Ad Blocker) عشان نستمر في تقديم الأفضل لك